الحرب على قطاع غزة لم تنته بعد، وآثارها لا تزال ماثلة في عيون آلاف المشردين المقيمين في خيام مهترئة، وآهات الجرحى والمعاقين الذين يحملون جروحاً غائرة في أعماقهم . وتزداد معاناة سكان القطاع الساحلي الصغير والفقير مع الحصار الخانق المضروب عليهم منذ نحو ثلاثة أعوام .
غزة صمدت في وجه الحرب والحصار، لكن الأوضاع المعيشية المتدهورة لسكانها، والتردي الحاصل في مستشفياتها ومؤسساتها ومناحي الحياة كافة، تشكل مأساة إنسانية حقيقية ربما لم يتعرض أي شعب لمثلها في هذه المعمورة في العصر الحديث، فحرب الإبادة التي بدأت قبل عام تتواصل يومياً من خلال تداعياتها التي يتحمل شعب القطاع أوزارها وحيداً من دون مغيث أو معين، وكأنه كتب على هذا الشعب أن يعيش محرقة متواصلة جراء سياسات همجية صهيونية- غربية تستهدف تصفية القضية وأهلها .
أهالي الشهداء: لن نغفر ولن ننسى:
عام مضى على “المحرقة”، لكنه ليس كافياً ليمحو من ذاكرة أهالي القطاع تداعياتها المتواصلة، حيث لا تزال تجاربهم الشخصية تنزف دماً حزناً على أحبائهم، الذين ارتقوا شهداء في معركة غير متكافئة انتصرت فيها شهوة القتل لدى المحتل، وانتصرت فيها غزة بإرادتها وتمسكها بالحياة رغم عمق الجراح .
لقد زرعت الحرب حزناً في القلوب المكلومة، وشعوراً بالقهر لن يموت أبداً في نفوس ذوي آلاف الشهداء الفلسطينيين . حزن وقهر وحّد الغزيين تحت شعار “لن نغفر ولن ننسى” .
خلفت الحرب “الإسرائيلية” في كل بيت حكاية، فكل الغزيين نالهم نصيب من جرائم الاحتلال، بين الجرح والتشريد والتدمير، وتبقى جريمة القتل الأشد وطأة في نفوس ذوي الضحايا، فهذه أم لفظ ابنها أنفاسه الأخيرة بين أحضانها، وتلك أم ثانية استشهدت وهي تحاول إنقاذ ابنها، وذاك أب فقد نجليه في ضربة واحدة .
شهيد في حضن أمه:
حكاية عائلة الجوجو واحدة من بين مئات وربما آلاف الحكايات التي تشكلت منها صورة الحرب الدموية . الأب أبو عبدالله الجوجو لم يكن في المنزل في تلك اللحظة التي أصيب بها نجله عبدالله بجروح بالغة، فتطوع أحد الجيران لإبلاغه بالخبر . لم يملك أبو عبدالله لحظتها من أمره، إلا الصراخ والمناشدة عبر أثير إحدى الإذاعات المحلية . كان الأمل يحدو أبو عبدالله أن تحمل مناشدته الحياة لابنه عبدالله، لكن قوات الاحتلال كانت تمعن في القتل بكل وسيلة، فمنعت سيارات الإسعاف من الوصول إليه في حي تل الهوا المحاصر في مدينة غزة، ليستمر عبدالله في النزف بين أحضان والدته المكلومة ويرتقي شهيداً .
جرح أم عبدالله لم يندمل بعد، ولا يزال ينزف دماً، حتى أن دموعها سابقت التعبير عن مشاعرها في الذكرى السنوية الأولى للحرب على غزة .
لم تبك أم عبدالله مع السؤال عن مشاعرها، فاحمرار عينيها يشير إلى بكاء مرير، وتقول: “مرت الأيام، بعضها كان عادياً ومرت بهدوء، لكن عبدالله لم يغب عن بالي لحظة واحدة، وأبكيه بمرارة كلما تذكرته ينزف دماً بين أحضاني حتى فارق الحياة . مرور عام أو عشرات الأعوام لن تنسيني ابني، كل شئ يذكرني به وكل مناسبة من دونه تذكرني به” .
مرت عائلة الجوجو بأوقات عصيبة وهي محاصرة في جزء من المنزل، فيما الأب كان يقضي أياماً في عمله لا يرى خلالها زوجته وأبناءه . حملت أم عبدالله على عاتقها عبء العناية بأفراد عائلتها الستة . افترشت المطبخ معهم بعد أن قُطعت الاتصالات ولم يعد التواصل سهلاً مع الأهل والأحباب .
الشعور بالخوف دفع أحد الجيران لمناداة عبدالله، ليخبره بأنهم سيهربون وأنهم بحاجة للسلم، حاول عبدالله أن يناوله السلم لكن رصاصة “إسرائيلية” غادرة عاجلته فسقط مضرجاً بدمائه، وهو يطلق صرخة مدوية انفطر لها قلب الأم .
وتصف أم عبدالله والدموع تترقرق في عينيها ذلك المشهد المؤلم وكأنها لا تزال تعايشه لحظة بلحظة: “حملت عبدالله مع اخوته ووضعته في حضني وهو ينزف . حاولت وقف النزيف لكن لم أفلح في ذلك . أحسست بالدماء تقطر على جسدي وساقي . قلبت ابني فوجدت مخرج الرصاصة في ظهره، لم استطع الصراخ ولا البكاء خشيت أن أرعب باقي أبنائي، حاولت طمأنتهم ولكن حزن وغضب الكون كله قد ملأ قلبي . فقد استشهد ابني في حضني . اكتفيت بلمسات حنونة وانا أخبر أطفالي أن أخاهم عبدالله نائم، ولكني كنت متأكدة أنها آخر اللحظات التي أراه فيها” .
وتقول أم عبدالله: “جارنا هاتف زوجي وأخبره بإصابة ابنه، فأخذ يناشد عبر الاذاعات المحلية لمساعدته، وهو لا يعلم ان ابننا قد مات وأن مناشداته لن تعيده إلينا مجدداً فقد أصبح جثة هامدة . عندما انسحب جيش الاحتلال وعاد زوجي إلى المنزل لم يصدق أنه مات . حاول إفاقته، وأخذ يضربه على وجهه، ثم حمله إلى الاسعاف وهو يصرخ بالمسعفين: أسعفوه . . أسعفوه، وهم يبكون ويؤكدون استشهاده . لم أغسل ثيابه منذ الحرب، وما زلت أشتم رائحته منها، وكم اشتاق إليه . كل شيء كما هو حتى كرته علقتها على الحائط، فهذا ما تبقى من ابني” .
مسكينة أم عبدالله فقدت ابنها ظلماً وقهراً بين أحضانها، وكتمت حزنها وصرختها في قلبها رأفة بباقي أبنائها الصغار .
مر شهر رمضان وعيدان بعد انقضاء الحرب على غزة، كان الحزن يلف هذه الأسرة المكلومة . لم تستطع الفرح كما اعتادت في كل عام، فعبدالله لم يعد بينها، وتقول أم عبدالله: “في شهر رمضان كنت أبكي يومياً على مائدة الإفطار، وفي العيد بكيت في وسط السوق حين ذهبت لشراء الملابس لأولادي، افتقدته كثيراً وعدت للبيت دون إكمال شراء ملابس العيد” .
جرائم الفوسفور الأبيض:
وفي الحرب أيضاً، كان لعائلة الراعي حكاية . صرخات الأطفال والنساء الذين خنقهم الدخان والغاز المنبعث من قنابل الفسفور الأبيض، لم يكن كافياً كي يصب العدو مزيداً من ظلمه عليهم، حتى في محاولتهم للهروب والنجاة بأنفسهم فلاحقهم بقذائفه حتى باب البيت، فلم يكن أمام العائلة من طريق للنجاة سوى شرفة المطبخ الصغيرة المطلة على منزل الجيران .
الجدة أم أكرم الراعي جلست وسط أحفادها هذه المرة وهم متعافون بعد إصابتهم بقنابل الفسفور . تمنت أن تكون تلك الأيام قد مرت ولن تعود أبداً، لكن من يضمن ذلك؟ تساءلت: “من ينسى تلك اللحظات؟ أحفادي يذكرونها حتى اليوم . تضررت البناية التي نسكنها كثيراً، وتمكنا خلال العام من إتمام جزء كبير من إصلاحها، ولكن من يصلح قلوبنا من ذكريات مؤلمة مرت بنا خلال الحرب؟” .
وقالت “في أواخر أيام الحرب كنا نتجمع في الطابق الثاني من البناية . كانت المرة الأولى لاجتياح حي تل الهوا، وألقى جيش الاحتلال قنابل فسفورية سقطت علينا، وفجأة وجدنا كل شيء حولنا يشتعل، حاصرتنا النار والدخان من كل الجهات” .
وأضافت أم أكرم: “لم يكن باستطاعتي أن أرى نفسي من كثافة الدخان . كان طعمه مراً جداً في الحلق . أصبنا بالغثيان وأصبحنا جميعاً نتقيأ مادة بلون الفسفور . كنا ننادي على بعضنا بعضاً لنطمئن أننا بخير، ونحاول رفع الصغار عن الأرض حتى لا يحترقوا من الكتل النارية التي يحدثها انفجار القنابل الفوسفورية” .
محاولات أم أكرم وأفراد عائلتها لم تحم الصغار من حروق الفسفور، وتقول: “رأيت أضواء خضراء من بين الدخان . حاولت تركيز نظري فكانت قدم حفيدي تحترق . حملته وأعطيته لابنتي . كنا نحاول اطفاء الحروق بالماء لم نكن نعرف أن الماء يزيد الإصابة . أصيب ابني وزوجته وطفلاهما بحروق فسفورية” .
سرد أم أكرم للحكاية جدد الألم في نفسها وبدا تأثرها ظاهراً في قسمات وجهها وعينيها وقد اغرورقتا بالدموع، وقالت “كنت أسمع صوت أحد أحفادي يختنق بسبب الدخان . حملته وتوجهت به نحو المطبخ الذي كان يحترق أيضاً . كان لدينا برميل من الماء . كنت أضع رأسه فيه حتى أخفف حدة الدخان عنه، وكان لابد من الهرب، وعندما توجهنا إلى باب البيت لنخرج منه تم إطلاق قذيفة فسفور أخرى على مقربة منا، فاشتعلت النيران في مدخل البناية، فلم نجد سوى شرفة المطبخ للهرب” .
لم يحمل شروق الشمس الأمان لهم للخروج من الحي، بل حمل لعائلة الراعي صدمة كبرى، وتقول أم أكرم “عندما نظرنا لأرجل المصابين كانت ذائبة، كان عظم ساق حفيدي ظاهراً للعيان . أصبحنا نصرخ ونبكي من هول ما رأينا، وحملنا المصابين إلى المستشفى حيث أكد الأطباء أنها إصابات فوسفور” .
إبادة جماعية:
نجت عائلة الراعي من موت محقق، واطمأنت أن أفرادها سالمون، لكن ألماظة السموني ما زالت الغصة تخنق صوتها كلما روت شهادتها على مقتل نحو 30 فرداً من عائلتها من دون ذنب . هذه الفتاة ذات البشرة السمراء لم تتوقف معاناتها عند الجريمة التي ارتكبتها قوات الاحتلال بحق عائلتها ولا يزال ألم الوحدة والفراق يسيطر عليها وينغص عليها حياتها .
الجريمة كانت أكير من أن تنسى، وذاكرة ألماظة تختزن التفاصيل وكأنها وقعت بالأمس، وتقول: “كنا نجلس معاً في غرفة واحدة، استهدفنا جيش الاحتلال بقذيفة، وجدت الجميع بعدها فوق بعضهم بعضاً، كان المكان مكدساً بالجثث . صرخت على أمي لم تجبنِ، وعلى أخوتي واحدا واحداً ولم يجبن أحد، وغرقت الغرفة بالدماء . . جميعهم استشهدوا . جثة أمي كانت تحت الركام مع أخوتي وأقاربي، بعدما انهار سقف الغرفة عليهم” .
ولم تتمالك ألماظة نفسها وبكت لحد النحيب، وهي تكمل شهادتها المروعة، وقالت “أمي التي كانت تلبسني وتمشط شعري قُتلت . أخوتي الذين ألعب معهم قُتلوا . ابن أخي الذي كنت أحمله واشتري له حلويات وألعاباً قُتل، وأعمامي الذين كنت أزورهم قُتلوا . كانوا يمزحون معي ويطلبون مني أن أغني لهم اغاني الأطفال . جميعهم قُتلوا وكل شيء جميل في حياتي قتله اليهود في الحرب، ولم يبقَ لي شئ . . ثلاثون شهيداً من عائلتي . من بقي لي؟” .
قد تحمل الأيام المقبلة فرحاً لألماظة، ولكن بعد مضي عام على فقدان الأحبة كيف يكون للفرح نكهة من دونهم؟
شهيدان شقيقان بضربة واحدة:
كانت صدمة نهرو الريس مضاعفة . عندما هرول إلى المستشفى بعد سماعه بنبأ إصابة نجله هشام فوجده جثة هامدة، وقبل أن يفيق من صدمته باستشهاد هشام، باغته الطبيب باستشهاد نجله الثاني علام، الذي لم يكن يعلم بإصابته ووجوده في المستشفى .
استشهد نجلا نهرو، وكذلك ابن شقيقه في الضربة الجوية الأولى التي أشعلت شرارة الحرب، ويقول الريس: “كنت في عملي عندما اتصلت بي زوجتي لتبلغني بنبأ إصابة ابني البكر هشام فتوجهت على الفور إلى مستشفى الشفاء كي اطمئن عليه، وهناك شاهدت جثته لا حراك فيها، ولم تكن تخل من ثقوب غائرة في أنحاء جسده بفعل شظايا الصواريخ، وما هي إلا لحظات حتى وجدت شقيقي إلى جانبي يواسيني ويصطحبني إلى قسم العناية الفائقة في المستشفى من دون أن أعرف سبب ذلك، فكنت لحظتها أسير على غير هدى إلى أن استوقفنا أحد الأطباء وقدم لي التعازي فظننت أنه يعزيني بابني هشام ولكنه تمنى لي الصبر على استشهاد ابني الآخر علام” .
“حينها فقدت الوعي إلى أن وجدت نفسي داخل المنزل أتلقى العزاء باثنين من أبنائي الثلاثة وابن شقيقي الذين قضوا جميعا أثناء تواجدهم على مدخل منزل العائلة، وهم يشاهدون سيارات الإسعاف المتجهة إلى مركز الشرطة لنقل شهداء الغارة الجوية الأولى على غزة”، يقول الريس والحسرة تملأ قلبه منذ استشهاد نجليه والريس يلوذ بنفسه كثيراً ليسرح بخياله ويستعيد شريط ذكرياته مع هشام وعلام، ويقول “في لحظات العزلة أخالهما يحدثانني عن مشاكستهما مع أصدقائهما ويطلبان مني على سبيل المزاح أن أزوجهما” .
حزن الريس على نجليه هشام وعلام لم يمنعه من الإسراع في تزويج نجله الوحيد إبراهيم الذي تبقى له، استجابة لرغبة زوجته، والأمل يحدو هذه الأسرة المكلومة أن يمن الله على إبراهيم بولدين يحملان اسمي الشهيدين .
شرك الهدنة وغدر المحتل:
عبدالحي عبدربه تعافى أخيراً من جروحه البالغة التي أصيب بها خلال الحرب، لكن قلبه الذي انفطر حزناً على استشهاد زوجته وابنه البكر سفيان لا يزال يقطر دماً، وصورة ابنه لا تفارقه ويراه ماثلاً أمامه في حركات ومشاكسات حفيده الطفل عبدالحي نجل الشهيد سفيان .
ويستذكر عبدربه الجريمة التي أودت بحياة زوجته ونجله، ويقول “خرجت في أحد أيام الحرب على غزة مع زوجتي وابني سفيان خلال فترة الهدنة التي أعلنها الاحتلال للسماح للمدنيين بالتسوق والتزود باحتياجاتهم، وتوجهنا إلى أحد محال البقالة، وكعادته القائمة على الغدر والمباغتة لم يحترم الاحتلال هدنته المعلنة، وقصف الطيران الحربي محل البقالة بصاروخ استشهد على اثره ستة أشخاص بينهم زوجتي وابني سفيان وأصبت أنا مع تسعة آخرين” .
كان لعائلة عبدربه نصيب كبير من الجرائم التي اقترفها الاحتلال خلال الحرب على غزة . إذ فقدت العائلة 13 من أفرادها، ودمرت العزبة التي تحمل اسمها في بلدة جباليا شرق قطاع غزة، وتشرد الكثير من أبناء العائلة الذين يقيمون في خيام مهترئة .
ويقول عبدالحي عبدربه إن ذكريات الحرب ستبقى في أذهان كل من عايشها أو اكتوى بنارها، ممن فقدوا أحباءهم، فحفيدي لن ينسى أن الاحتلال قتل والده وحرمه عطفه وحنانه، مضيفاً أن الحزن يعتصر قلبه كلما سمع حفيده عبدالحي ينادي على كل عم من أعمامه “بابا” .
كوابيس وأحلام مفزعة:
وظلت الكوابيس والأحلام المزعجة تطارد آسيا النجار في منامها لعدة شهور بعد انتهاء الحرب التي خطفت والدتها وشقيقتها، وقالت “في كل ليلة على مدار ستة شهور أو أكثر كنت أستيقظ من النوم فزعة، فمشهد والدتي وهي تجري إلى ساحة المنزل لتحتضن شقيقي أيمن وتدخله إلى المنزل بعدما سمعت صراخه لم يفارق أحلامي” .
وتروي آسيا حادثة استشهاد والدتها وشقيقتها، وتقول “ذهبت لزيارة أمي خلال فترة الهدنة في الأسبوع الأخير من الحرب، حيث كانت أمي في ذلك اليوم تعد الطعام، وفجأة سمعنا انفجاراً مدوياً جراء قذيفة مدفعية سقطت على مقربة من المنزل . صرخ شقيقي أيمن على أمي، فخرجت مسرعة لنجدته، وقبل أن تصله باغتتها قذيفة مدفعية ثانية أطلقتها دبابة “إسرائيلية” متمركزة في منطقة جبل الكاشف شرق مخيم جباليا، على بعد بضع مئات الأمتار عن منزلنا، فقضت على أمي وشقيقتي عائشة التي كانت إلى جانبها وأصيب شقيقي أيمن وأصبت أنا بجروح، واستشهدت جارتنا جراء إصابتها بشظايا تناثرت من القذيفة المدفعية” .
في السابع والعشرين من العام الماضي اشتعل قطاع غزة بأكمله بقنابل وذخيرة فتاكة استخدمها الاحتلال في معركة غير متكافئة ضد مدنيين عزل، واليوم بعد عام لا تزال قلوب المكلومين والمعذبين والمشردين تشتعل بنيران الحزن والألم والفقدان على أحبة ومنازل وذكريات لن تنسى .
غزة صمدت في وجه الحرب والحصار، لكن الأوضاع المعيشية المتدهورة لسكانها، والتردي الحاصل في مستشفياتها ومؤسساتها ومناحي الحياة كافة، تشكل مأساة إنسانية حقيقية ربما لم يتعرض أي شعب لمثلها في هذه المعمورة في العصر الحديث، فحرب الإبادة التي بدأت قبل عام تتواصل يومياً من خلال تداعياتها التي يتحمل شعب القطاع أوزارها وحيداً من دون مغيث أو معين، وكأنه كتب على هذا الشعب أن يعيش محرقة متواصلة جراء سياسات همجية صهيونية- غربية تستهدف تصفية القضية وأهلها .
أهالي الشهداء: لن نغفر ولن ننسى:
عام مضى على “المحرقة”، لكنه ليس كافياً ليمحو من ذاكرة أهالي القطاع تداعياتها المتواصلة، حيث لا تزال تجاربهم الشخصية تنزف دماً حزناً على أحبائهم، الذين ارتقوا شهداء في معركة غير متكافئة انتصرت فيها شهوة القتل لدى المحتل، وانتصرت فيها غزة بإرادتها وتمسكها بالحياة رغم عمق الجراح .
لقد زرعت الحرب حزناً في القلوب المكلومة، وشعوراً بالقهر لن يموت أبداً في نفوس ذوي آلاف الشهداء الفلسطينيين . حزن وقهر وحّد الغزيين تحت شعار “لن نغفر ولن ننسى” .
خلفت الحرب “الإسرائيلية” في كل بيت حكاية، فكل الغزيين نالهم نصيب من جرائم الاحتلال، بين الجرح والتشريد والتدمير، وتبقى جريمة القتل الأشد وطأة في نفوس ذوي الضحايا، فهذه أم لفظ ابنها أنفاسه الأخيرة بين أحضانها، وتلك أم ثانية استشهدت وهي تحاول إنقاذ ابنها، وذاك أب فقد نجليه في ضربة واحدة .
شهيد في حضن أمه:
حكاية عائلة الجوجو واحدة من بين مئات وربما آلاف الحكايات التي تشكلت منها صورة الحرب الدموية . الأب أبو عبدالله الجوجو لم يكن في المنزل في تلك اللحظة التي أصيب بها نجله عبدالله بجروح بالغة، فتطوع أحد الجيران لإبلاغه بالخبر . لم يملك أبو عبدالله لحظتها من أمره، إلا الصراخ والمناشدة عبر أثير إحدى الإذاعات المحلية . كان الأمل يحدو أبو عبدالله أن تحمل مناشدته الحياة لابنه عبدالله، لكن قوات الاحتلال كانت تمعن في القتل بكل وسيلة، فمنعت سيارات الإسعاف من الوصول إليه في حي تل الهوا المحاصر في مدينة غزة، ليستمر عبدالله في النزف بين أحضان والدته المكلومة ويرتقي شهيداً .
جرح أم عبدالله لم يندمل بعد، ولا يزال ينزف دماً، حتى أن دموعها سابقت التعبير عن مشاعرها في الذكرى السنوية الأولى للحرب على غزة .
لم تبك أم عبدالله مع السؤال عن مشاعرها، فاحمرار عينيها يشير إلى بكاء مرير، وتقول: “مرت الأيام، بعضها كان عادياً ومرت بهدوء، لكن عبدالله لم يغب عن بالي لحظة واحدة، وأبكيه بمرارة كلما تذكرته ينزف دماً بين أحضاني حتى فارق الحياة . مرور عام أو عشرات الأعوام لن تنسيني ابني، كل شئ يذكرني به وكل مناسبة من دونه تذكرني به” .
مرت عائلة الجوجو بأوقات عصيبة وهي محاصرة في جزء من المنزل، فيما الأب كان يقضي أياماً في عمله لا يرى خلالها زوجته وأبناءه . حملت أم عبدالله على عاتقها عبء العناية بأفراد عائلتها الستة . افترشت المطبخ معهم بعد أن قُطعت الاتصالات ولم يعد التواصل سهلاً مع الأهل والأحباب .
الشعور بالخوف دفع أحد الجيران لمناداة عبدالله، ليخبره بأنهم سيهربون وأنهم بحاجة للسلم، حاول عبدالله أن يناوله السلم لكن رصاصة “إسرائيلية” غادرة عاجلته فسقط مضرجاً بدمائه، وهو يطلق صرخة مدوية انفطر لها قلب الأم .
وتصف أم عبدالله والدموع تترقرق في عينيها ذلك المشهد المؤلم وكأنها لا تزال تعايشه لحظة بلحظة: “حملت عبدالله مع اخوته ووضعته في حضني وهو ينزف . حاولت وقف النزيف لكن لم أفلح في ذلك . أحسست بالدماء تقطر على جسدي وساقي . قلبت ابني فوجدت مخرج الرصاصة في ظهره، لم استطع الصراخ ولا البكاء خشيت أن أرعب باقي أبنائي، حاولت طمأنتهم ولكن حزن وغضب الكون كله قد ملأ قلبي . فقد استشهد ابني في حضني . اكتفيت بلمسات حنونة وانا أخبر أطفالي أن أخاهم عبدالله نائم، ولكني كنت متأكدة أنها آخر اللحظات التي أراه فيها” .
وتقول أم عبدالله: “جارنا هاتف زوجي وأخبره بإصابة ابنه، فأخذ يناشد عبر الاذاعات المحلية لمساعدته، وهو لا يعلم ان ابننا قد مات وأن مناشداته لن تعيده إلينا مجدداً فقد أصبح جثة هامدة . عندما انسحب جيش الاحتلال وعاد زوجي إلى المنزل لم يصدق أنه مات . حاول إفاقته، وأخذ يضربه على وجهه، ثم حمله إلى الاسعاف وهو يصرخ بالمسعفين: أسعفوه . . أسعفوه، وهم يبكون ويؤكدون استشهاده . لم أغسل ثيابه منذ الحرب، وما زلت أشتم رائحته منها، وكم اشتاق إليه . كل شيء كما هو حتى كرته علقتها على الحائط، فهذا ما تبقى من ابني” .
مسكينة أم عبدالله فقدت ابنها ظلماً وقهراً بين أحضانها، وكتمت حزنها وصرختها في قلبها رأفة بباقي أبنائها الصغار .
مر شهر رمضان وعيدان بعد انقضاء الحرب على غزة، كان الحزن يلف هذه الأسرة المكلومة . لم تستطع الفرح كما اعتادت في كل عام، فعبدالله لم يعد بينها، وتقول أم عبدالله: “في شهر رمضان كنت أبكي يومياً على مائدة الإفطار، وفي العيد بكيت في وسط السوق حين ذهبت لشراء الملابس لأولادي، افتقدته كثيراً وعدت للبيت دون إكمال شراء ملابس العيد” .
جرائم الفوسفور الأبيض:
وفي الحرب أيضاً، كان لعائلة الراعي حكاية . صرخات الأطفال والنساء الذين خنقهم الدخان والغاز المنبعث من قنابل الفسفور الأبيض، لم يكن كافياً كي يصب العدو مزيداً من ظلمه عليهم، حتى في محاولتهم للهروب والنجاة بأنفسهم فلاحقهم بقذائفه حتى باب البيت، فلم يكن أمام العائلة من طريق للنجاة سوى شرفة المطبخ الصغيرة المطلة على منزل الجيران .
الجدة أم أكرم الراعي جلست وسط أحفادها هذه المرة وهم متعافون بعد إصابتهم بقنابل الفسفور . تمنت أن تكون تلك الأيام قد مرت ولن تعود أبداً، لكن من يضمن ذلك؟ تساءلت: “من ينسى تلك اللحظات؟ أحفادي يذكرونها حتى اليوم . تضررت البناية التي نسكنها كثيراً، وتمكنا خلال العام من إتمام جزء كبير من إصلاحها، ولكن من يصلح قلوبنا من ذكريات مؤلمة مرت بنا خلال الحرب؟” .
وقالت “في أواخر أيام الحرب كنا نتجمع في الطابق الثاني من البناية . كانت المرة الأولى لاجتياح حي تل الهوا، وألقى جيش الاحتلال قنابل فسفورية سقطت علينا، وفجأة وجدنا كل شيء حولنا يشتعل، حاصرتنا النار والدخان من كل الجهات” .
وأضافت أم أكرم: “لم يكن باستطاعتي أن أرى نفسي من كثافة الدخان . كان طعمه مراً جداً في الحلق . أصبنا بالغثيان وأصبحنا جميعاً نتقيأ مادة بلون الفسفور . كنا ننادي على بعضنا بعضاً لنطمئن أننا بخير، ونحاول رفع الصغار عن الأرض حتى لا يحترقوا من الكتل النارية التي يحدثها انفجار القنابل الفوسفورية” .
محاولات أم أكرم وأفراد عائلتها لم تحم الصغار من حروق الفسفور، وتقول: “رأيت أضواء خضراء من بين الدخان . حاولت تركيز نظري فكانت قدم حفيدي تحترق . حملته وأعطيته لابنتي . كنا نحاول اطفاء الحروق بالماء لم نكن نعرف أن الماء يزيد الإصابة . أصيب ابني وزوجته وطفلاهما بحروق فسفورية” .
سرد أم أكرم للحكاية جدد الألم في نفسها وبدا تأثرها ظاهراً في قسمات وجهها وعينيها وقد اغرورقتا بالدموع، وقالت “كنت أسمع صوت أحد أحفادي يختنق بسبب الدخان . حملته وتوجهت به نحو المطبخ الذي كان يحترق أيضاً . كان لدينا برميل من الماء . كنت أضع رأسه فيه حتى أخفف حدة الدخان عنه، وكان لابد من الهرب، وعندما توجهنا إلى باب البيت لنخرج منه تم إطلاق قذيفة فسفور أخرى على مقربة منا، فاشتعلت النيران في مدخل البناية، فلم نجد سوى شرفة المطبخ للهرب” .
لم يحمل شروق الشمس الأمان لهم للخروج من الحي، بل حمل لعائلة الراعي صدمة كبرى، وتقول أم أكرم “عندما نظرنا لأرجل المصابين كانت ذائبة، كان عظم ساق حفيدي ظاهراً للعيان . أصبحنا نصرخ ونبكي من هول ما رأينا، وحملنا المصابين إلى المستشفى حيث أكد الأطباء أنها إصابات فوسفور” .
إبادة جماعية:
نجت عائلة الراعي من موت محقق، واطمأنت أن أفرادها سالمون، لكن ألماظة السموني ما زالت الغصة تخنق صوتها كلما روت شهادتها على مقتل نحو 30 فرداً من عائلتها من دون ذنب . هذه الفتاة ذات البشرة السمراء لم تتوقف معاناتها عند الجريمة التي ارتكبتها قوات الاحتلال بحق عائلتها ولا يزال ألم الوحدة والفراق يسيطر عليها وينغص عليها حياتها .
الجريمة كانت أكير من أن تنسى، وذاكرة ألماظة تختزن التفاصيل وكأنها وقعت بالأمس، وتقول: “كنا نجلس معاً في غرفة واحدة، استهدفنا جيش الاحتلال بقذيفة، وجدت الجميع بعدها فوق بعضهم بعضاً، كان المكان مكدساً بالجثث . صرخت على أمي لم تجبنِ، وعلى أخوتي واحدا واحداً ولم يجبن أحد، وغرقت الغرفة بالدماء . . جميعهم استشهدوا . جثة أمي كانت تحت الركام مع أخوتي وأقاربي، بعدما انهار سقف الغرفة عليهم” .
ولم تتمالك ألماظة نفسها وبكت لحد النحيب، وهي تكمل شهادتها المروعة، وقالت “أمي التي كانت تلبسني وتمشط شعري قُتلت . أخوتي الذين ألعب معهم قُتلوا . ابن أخي الذي كنت أحمله واشتري له حلويات وألعاباً قُتل، وأعمامي الذين كنت أزورهم قُتلوا . كانوا يمزحون معي ويطلبون مني أن أغني لهم اغاني الأطفال . جميعهم قُتلوا وكل شيء جميل في حياتي قتله اليهود في الحرب، ولم يبقَ لي شئ . . ثلاثون شهيداً من عائلتي . من بقي لي؟” .
قد تحمل الأيام المقبلة فرحاً لألماظة، ولكن بعد مضي عام على فقدان الأحبة كيف يكون للفرح نكهة من دونهم؟
شهيدان شقيقان بضربة واحدة:
كانت صدمة نهرو الريس مضاعفة . عندما هرول إلى المستشفى بعد سماعه بنبأ إصابة نجله هشام فوجده جثة هامدة، وقبل أن يفيق من صدمته باستشهاد هشام، باغته الطبيب باستشهاد نجله الثاني علام، الذي لم يكن يعلم بإصابته ووجوده في المستشفى .
استشهد نجلا نهرو، وكذلك ابن شقيقه في الضربة الجوية الأولى التي أشعلت شرارة الحرب، ويقول الريس: “كنت في عملي عندما اتصلت بي زوجتي لتبلغني بنبأ إصابة ابني البكر هشام فتوجهت على الفور إلى مستشفى الشفاء كي اطمئن عليه، وهناك شاهدت جثته لا حراك فيها، ولم تكن تخل من ثقوب غائرة في أنحاء جسده بفعل شظايا الصواريخ، وما هي إلا لحظات حتى وجدت شقيقي إلى جانبي يواسيني ويصطحبني إلى قسم العناية الفائقة في المستشفى من دون أن أعرف سبب ذلك، فكنت لحظتها أسير على غير هدى إلى أن استوقفنا أحد الأطباء وقدم لي التعازي فظننت أنه يعزيني بابني هشام ولكنه تمنى لي الصبر على استشهاد ابني الآخر علام” .
“حينها فقدت الوعي إلى أن وجدت نفسي داخل المنزل أتلقى العزاء باثنين من أبنائي الثلاثة وابن شقيقي الذين قضوا جميعا أثناء تواجدهم على مدخل منزل العائلة، وهم يشاهدون سيارات الإسعاف المتجهة إلى مركز الشرطة لنقل شهداء الغارة الجوية الأولى على غزة”، يقول الريس والحسرة تملأ قلبه منذ استشهاد نجليه والريس يلوذ بنفسه كثيراً ليسرح بخياله ويستعيد شريط ذكرياته مع هشام وعلام، ويقول “في لحظات العزلة أخالهما يحدثانني عن مشاكستهما مع أصدقائهما ويطلبان مني على سبيل المزاح أن أزوجهما” .
حزن الريس على نجليه هشام وعلام لم يمنعه من الإسراع في تزويج نجله الوحيد إبراهيم الذي تبقى له، استجابة لرغبة زوجته، والأمل يحدو هذه الأسرة المكلومة أن يمن الله على إبراهيم بولدين يحملان اسمي الشهيدين .
شرك الهدنة وغدر المحتل:
عبدالحي عبدربه تعافى أخيراً من جروحه البالغة التي أصيب بها خلال الحرب، لكن قلبه الذي انفطر حزناً على استشهاد زوجته وابنه البكر سفيان لا يزال يقطر دماً، وصورة ابنه لا تفارقه ويراه ماثلاً أمامه في حركات ومشاكسات حفيده الطفل عبدالحي نجل الشهيد سفيان .
ويستذكر عبدربه الجريمة التي أودت بحياة زوجته ونجله، ويقول “خرجت في أحد أيام الحرب على غزة مع زوجتي وابني سفيان خلال فترة الهدنة التي أعلنها الاحتلال للسماح للمدنيين بالتسوق والتزود باحتياجاتهم، وتوجهنا إلى أحد محال البقالة، وكعادته القائمة على الغدر والمباغتة لم يحترم الاحتلال هدنته المعلنة، وقصف الطيران الحربي محل البقالة بصاروخ استشهد على اثره ستة أشخاص بينهم زوجتي وابني سفيان وأصبت أنا مع تسعة آخرين” .
كان لعائلة عبدربه نصيب كبير من الجرائم التي اقترفها الاحتلال خلال الحرب على غزة . إذ فقدت العائلة 13 من أفرادها، ودمرت العزبة التي تحمل اسمها في بلدة جباليا شرق قطاع غزة، وتشرد الكثير من أبناء العائلة الذين يقيمون في خيام مهترئة .
ويقول عبدالحي عبدربه إن ذكريات الحرب ستبقى في أذهان كل من عايشها أو اكتوى بنارها، ممن فقدوا أحباءهم، فحفيدي لن ينسى أن الاحتلال قتل والده وحرمه عطفه وحنانه، مضيفاً أن الحزن يعتصر قلبه كلما سمع حفيده عبدالحي ينادي على كل عم من أعمامه “بابا” .
كوابيس وأحلام مفزعة:
وظلت الكوابيس والأحلام المزعجة تطارد آسيا النجار في منامها لعدة شهور بعد انتهاء الحرب التي خطفت والدتها وشقيقتها، وقالت “في كل ليلة على مدار ستة شهور أو أكثر كنت أستيقظ من النوم فزعة، فمشهد والدتي وهي تجري إلى ساحة المنزل لتحتضن شقيقي أيمن وتدخله إلى المنزل بعدما سمعت صراخه لم يفارق أحلامي” .
وتروي آسيا حادثة استشهاد والدتها وشقيقتها، وتقول “ذهبت لزيارة أمي خلال فترة الهدنة في الأسبوع الأخير من الحرب، حيث كانت أمي في ذلك اليوم تعد الطعام، وفجأة سمعنا انفجاراً مدوياً جراء قذيفة مدفعية سقطت على مقربة من المنزل . صرخ شقيقي أيمن على أمي، فخرجت مسرعة لنجدته، وقبل أن تصله باغتتها قذيفة مدفعية ثانية أطلقتها دبابة “إسرائيلية” متمركزة في منطقة جبل الكاشف شرق مخيم جباليا، على بعد بضع مئات الأمتار عن منزلنا، فقضت على أمي وشقيقتي عائشة التي كانت إلى جانبها وأصيب شقيقي أيمن وأصبت أنا بجروح، واستشهدت جارتنا جراء إصابتها بشظايا تناثرت من القذيفة المدفعية” .
في السابع والعشرين من العام الماضي اشتعل قطاع غزة بأكمله بقنابل وذخيرة فتاكة استخدمها الاحتلال في معركة غير متكافئة ضد مدنيين عزل، واليوم بعد عام لا تزال قلوب المكلومين والمعذبين والمشردين تشتعل بنيران الحزن والألم والفقدان على أحبة ومنازل وذكريات لن تنسى .
دار الخليج

ومن ينسي غزة الابية؟
ردحذفشعب يعرف كيف يعيش وكيف يموت وكيف يسطر صفحات التاريخ
تحياتي